عند الحديث عن الأمراض المتعلقة بالأوعية الدموية في الدماغ أو الأوعية الدموية الدماغية، غالبًا ما يفكر معظم الناس في مرض انسداد الأوعية الدموية الدماغية الذي يُشاهد عادةً في كبار السن ويؤدي إلى حدوث السكتة الدماغية مما يسبب الشلل النصفي أو الوفاة. لكن هل تعلم أن انسداد الأوعية الدموية الدماغية يمكن أن يكون خلقيًا؟ حيث يحدث نتيجة انسداد تدريجي في الأوعية الدموية الدماغية، وهو ما يُعرف بمرض الأوعية الدموية الدماغية Moyamoya. اليوم سنأخذكم للتعرف على الأعراض، التشخيص، والعلاج، بالإضافة إلى مرض تمدد الأوعية الدموية الدماغية المرتبط به والذي يمكن اكتشافه وعلاجه قبل حدوث تمزق الأوعية الدموية الدماغية.
تعرف على الأوعية الدموية أولاً
الأوعية الدموية في الجسم تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي: الشرايين (Arteries) التي تنقل الدم والأكسجين من القلب إلى الأعضاء المختلفة، الأوردة (Veins) التي تعيد الدم المستخدم إلى القلب، والشعيرات الدموية (Capillaries) التي تقوم بتبادل المواد الغذائية والأكسجين بين الدم والخلايا المختلفة.
لكل نوع من الأوعية الدموية خصائصه الخاصة، فالشرايين لها جدران سميكة وقوية لتحمل ضغط الدم، أما الأوردة فلها جدران أرق، والشعيرات الدموية هي الأرق بين الجميع. أما الأوعية الدموية الدماغية فلها بنية خاصة تختلف عن الأوعية في الأعضاء الأخرى، مثل وجود حاجز الدم-الدماغ (blood-brain barrier) الذي يساعد على منع دخول السموم إلى الدماغ.
ما هي الأمراض الشائعة للأوعية الدموية الدماغية؟
- مرض انسداد الأوعية الدموية الدماغية (السكتة الدماغية الإقفارية – Ischemic stroke) يحدث نتيجة انسداد الأوعية الدموية التي تغذي الدماغ، مما يؤدي إلى نقص التروية الدموية للدماغ. ومن الحالات الأخرى التي تُعد من أمراض انسداد الأوعية الدماغية ولكنها أقل شيوعًا هو مرض الأوعية الدموية الدماغية Moyamoya، وهو حالة انسداد أو تضيق مزمن في الشريان السباتي الكبير دون سبب معروف، وغالبًا ما يكون خلقيًا.
- مرض تمزق الأوعية الدموية الدماغية (السكتة الدماغية النزفية – Hemorrhagic stroke) يحدث نتيجة تمزق الأوعية الدموية في الدماغ، مما يؤدي إلى تسرب الدم داخل نسيج الدماغ. ويرتبط ذلك في بعض الحالات بوجود تمدد الأوعية الدموية الدماغية (Cerebral aneurysm) في جدار الأوعية الدموية الدماغية. ويحدث ذلك بسبب عوامل خطر متعددة مثل التقدم في العمر فوق 40 سنة، ارتفاع ضغط الدم، التدخين المستمر لسنوات، وجود تاريخ عائلي لتمدد الأوعية الدموية الدماغية، أو وجود تشوهات خلقية في الأوعية الدموية مثل ضعف جدار الأوعية الدموية. كما أن تناول الكحوليات له دور في ذلك. ومع تطور التكنولوجيا الحديثة، أصبح بالإمكان الكشف المبكر عن تمدد الأوعية الدموية الدماغية، مما يسمح بتقييم خطورتها وفرصة حدوث تمزق الأوعية الدموية الدماغية، وبالتالي يمكن علاجها في الوقت المناسب دون انتظار ظهور أعراض شديدة.
ما هي أعراض تمزق الأوعية الدموية الدماغية؟
الأعراض التي تظهر عند تمزق الأوعية الدموية الدماغية متعددة، مثل:
- صداع شديد ومفاجئ، وغالبًا ما يوصف بأنه أسوأ صداع في الحياة
- غثيان وقيء
- فقدان الوعي أو انخفاض سريع في مستوى الوعي
- أعراض عصبية مثل صعوبة في الكلام، رؤية مزدوجة، شلل نصفي، نوبات صرع، أو فقدان الوعي
- تيبس أو تصلب الرقبة، والذي قد يحدث بسبب نزيف تحت العنكبوتية (subarachnoid hemorrhage)
خطوات تشخيص تمزق الأوعية الدموية الدماغية
تشخيص تمزق الأوعية الدموية الدماغية يشمل:
- التصوير المقطعي المحوسب (CT scan) وهو فحص للدماغ باستخدام الأشعة المقطعية لرؤية الدماغ ونقاط النزيف داخل الدماغ
- تصوير الأوعية المقطعي المحوسب (CT angiography – CTA) أو تصوير الأوعية بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Angiography – MRA)، وهما فحوصات باستخدام الموجات المغناطيسية لرؤية الأوعية الدموية والكشف عن نقاط التمدد أو الإصابات في الأوعية
- تصوير الأوعية الدماغية (Cerebral Angiogram) وهو حقن مادة ظليلة في الأوعية الدموية الدماغية لفحص تدفق الدم وبنية الأوعية، للتحقق من وجود تمزق أو انسداد ودرجة شدته
العلاج بجراحة إعادة توعية الأوعية الدموية الدماغية (Cerebral Revascularization)
عندما يحدث انسداد، تمزق، أو تمدد في الأوعية الدموية الدماغية ويستلزم العلاج الجراحي، يكون الهدف الرئيسي من العلاج هو:
- زيادة تدفق الدم (Flow augmentation) و
- الحفاظ على تدفق الدم (Flow preservation) وذلك بالتفصيل التالي:
1. لزيادة تدفق الدم (Flow Augmentation)
زيادة تدفق الدم تركز على مساعدة المرضى الذين يعانون من تضيق أو انسداد أو نقص التروية الدموية للدماغ، مثل مرض الأوعية الدموية الدماغية Moyamoya، الذي يحدث بسبب تضيق أو انسداد تدريجي في الشريان السباتي الكبير دون سبب معروف، مما يقلل تدفق الدم إلى الدماغ ويؤدي إلى نقص التروية الدماغية.
يُشاهد مرض Moyamoya عادةً عند الأطفال تحت سن 10 سنوات أو البالغين بين 30-40 سنة، وتظهر الأعراض عادةً على شكل شلل أو ضعف، نوبات صرع، صداع شديد، أو ضعف في الذاكرة (ضعف إدراكي)، بالإضافة إلى أعراض مشابهة لمرض انسداد الأوعية الدموية الدماغية أو السكتة الدماغية.
يقوم الطبيب بتشخيص المرض من خلال فحوصات الأوعية الدموية الدماغية مثل CTA وMRA، وهي فحوصات بالرنين المغناطيسي لرؤية الأوعية الدموية وتدفق الدم في الدماغ.
ومع ذلك، يمكن أن يحدث متلازمة Moyamoya نتيجة لأسباب أو عوامل محفزة مختلفة مثل:
- بعد علاج سرطان الدم (post-treatment leukemia)
- بعد التعرض للإشعاع (post-radiation)
- التهاب الأوعية الدموية (vasculitis)
- تصلب الشرايين (atherosclerosis)
- متلازمة مضادات الفوسفوليبيد (antiphospholipid syndrome)
- فرط نشاط الغدة الدرقية (hyperthyroidism)
بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تُجرى الجراحة لزيادة تدفق الدم في المرضى الذين يعانون من تضيق أو انسداد شديد في الأوعية الدموية (Severe Stenosis or Occlusion)، مثل مرض تصلب الشرايين داخل الجمجمة (Intracranial Atherosclerotic Disease) الناتج عن تراكم الدهون في جدران الأوعية الدموية، مما يقلل تدفق الدم إلى الدماغ ويؤدي إلى تفاقم مرض الأوعية الدموية الدماغية.
2. للحفاظ على تدفق الدم (Flow Preservation)
يهدف الحفاظ على تدفق الدم إلى منع انقطاع تدفق الدم إلى الدماغ، ويُجرى عادةً في الحالات التالية:
- تمدد الأوعية الدموية الناتج عن تمزق جدار الوعاء الدموي (Dissecting Aneurysm)، حيث يتسرب الدم إلى جدار الوعاء الدموي مسببًا تمددًا في الأوعية، وإذا تُرك دون علاج، يزيد خطر تمزق الأوعية الدموية وحدوث نزيف دماغي.
- تمدد الأوعية الدموية على شكل مغزلي (Fusiform Aneurysm)، والذي يحمل خطرًا عاليًا للتمزق.
- الأورام المرتبطة بالأوعية الدموية، حيث قد يتطلب استئصال الورم جراحيًا إجراء جراحة على الأوعية الدموية الدماغية لمنع حدوث انسداد الأوعية الدموية الدماغية بعد الجراحة.
تُعد جراحة أو إعادة توعية الأوعية الدموية الدماغية (Cerebral Revascularization) طريقة مهمة لعلاج أمراض الأوعية الدموية الدماغية التي تعاني من نقص التروية، وتحقق نتائج أفضل بكثير في مرضى مرض الأوعية الدموية الدماغية Moyamoya مقارنة بالعلاج الدوائي، كما أنها مفيدة أيضًا لمرضى تمدد الأوعية الدموية، حيث تهدف إلى زيادة والحفاظ على تدفق الدم إلى الدماغ، مما يقلل من خطر الإصابة بانسداد أو تمزق الأوعية الدموية الدماغية في المستقبل.
التقنيات والخطوات المهمة في جراحة الأوعية الدموية الدماغية (Cerebral Revascularization)
تتطلب جراحة الأوعية الدموية الدماغية خطوات معقدة، لذلك تعتمد على فريق طبي متخصص في جراحة الأوعية الدموية الدماغية أو جراحة الأعصاب. يختار الطبيب طريقة العلاج بناءً على حجم وموقع الأوعية الدموية المتضررة، بالإضافة إلى الحالة الصحية العامة للمريض، كما يلي:
- جراحة إنشاء تحويلة للأوعية الدموية الدماغية (Bypass)، وهي إنشاء مسار جديد لتجاوز المناطق الضيقة أو المسدودة، وتُستخدم في الحالات التي يكون فيها تضيق أو انسداد شديد أو تلف بسبب التمزق.
- إدخال لفائف في الأوعية الدموية الدماغية (Endovascular)، وهي استخدام لفائف تُدخل داخل الأوعية الدموية الضيقة أو المسدودة، أو تركيب دعامات (stent)، حيث تُدخل اللفائف عبر الفخذ أو المعصم إلى موقع المشكلة للمساعدة في إصلاح الأوعية وتحسين تدفق الدم. وتُعد هذه جراحة طفيفة التوغل (minimally invasive surgery) دون الحاجة إلى فتح جرح كبير. أما في حالة تمدد الأوعية الدموية، فتُسمى هذه العملية “coiling” لإيقاف تدفق الدم إلى الجزء المتوسع، مما يقلل من خطر تمزق تمدد الأوعية الدموية.
المخاطر والسلامة في جراحة الأوعية الدموية الدماغية
تتطلب جراحة الأوعية الدموية الدماغية تقييمًا دقيقًا للمخاطر والفوائد. من المخاطر التي يجب الانتباه لها هي حدوث نزيف دماغي أثناء أو بعد الجراحة، انسداد الأوعية الدموية بسبب تجلط الدم في موقع الجراحة مما قد يؤدي إلى انسداد متكرر، أو إصابة نسيج الدماغ مما قد يسبب شللًا أو مشاكل عصبية.
يمكن تقليل هذه المخاطر من خلال اختيار فريق طبي متخصص، حيث يقوم الطبيب أثناء الجراحة بتقييم نتائج العلاج وفحص تدفق الدم، بالإضافة إلى متابعة الحالة ورعايتها عن كثب بعد الجراحة لتقليل المخاطر المحتملة ومعالجتها بسرعة إذا حدثت.
من هم الأشخاص الذين لا يمكنهم الخضوع لجراحة الأوعية الدموية الدماغية؟
ليس كل شخص يمكنه الخضوع لجراحة أو إعادة توعية الأوعية الدموية الدماغية. قد يكون لدى بعض المرضى قيود على العلاج مثل:
- المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة متعددة وشديدة مثل أمراض القلب، أمراض الكلى المزمنة، أو حالات عدوى غير قابلة للسيطرة، مما يجعل الجراحة محفوفة بالمخاطر العالية.
- المرضى الذين يعانون من تلف دماغي شديد مثل حالات موت الدماغ أو تلف دماغي حاد، حيث قد لا تساعد الجراحة في تحسين جودة الحياة.
التحضير قبل جراحة الأوعية الدموية الدماغية
التحضير قبل جراحة الأوعية الدموية الدماغية مهم جدًا نظرًا لتعقيد الجراحة. التحضير المناسب يساعد في تقليل المخاطر وزيادة فرص التعافي السريع، ويشمل:
- الفحص الصحي الشامل مثل فحص الدم، تخطيط القلب الكهربائي (ECG/EKG)، فحص التصوير المقطعي أو الرنين المغناطيسي لتقييم الحالة وتعقيد المرض.
- قد يحتاج بعض المرضى إلى التوقف عن تناول بعض الأدوية مثل أدوية مضادات تجلط الصفائح الدموية، حسب تقدير الطبيب.
- الامتناع عن تناول الطعام والشراب قبل الجراحة لمدة لا تقل عن 8 ساعات لتجنب المضاعفات أثناء التخدير.
- التحضير النفسي لتخفيف القلق، وقد ينصح الطبيب المريض وعائلته بالتحدث مع فريق الصحة النفسية.
التعافي بعد جراحة الأوعية الدموية الدماغية
بعد جراحة الأوعية الدموية الدماغية، يجب أن يبقى المريض في المستشفى للمراقبة الدقيقة في وحدة العناية المركزة (ICU) لمدة تتراوح بين 1-3 أيام، ثم يتم نقله إلى قسم المرضى العام لمتابعة الحالة لمدة حوالي 7 أيام. قبل العودة إلى المنزل للشفاء، يقدم الطبيب نصائح للوقاية من عوامل الخطر لمنع تكرار المرض، مثل التحكم في ضغط الدم، علاج مستويات الدهون في الدم، وتجنب السلوكيات التي تؤثر على الأوعية الدموية مثل التدخين أو تناول الأطعمة الغنية بالدهون.
إذا كنت أنت أو أحد المقربين منك من الفئات المعرضة للخطر أو تظهر عليه أعراض مريبة، يجب الإسراع في إجراء الفحوصات في المستشفى للوقاية أو العلاج المبكر، خاصة إذا كان هناك صداع شديد لم يحدث من قبل ولم يتحسن مع مسكنات الألم، يجب التوجه إلى المستشفى بأسرع وقت ممكن لأن العلاج السريع يزيد من فرص التعافي ويقلل من تلف الدماغ أو حدوث نزيف دماغي قد يهدد الحياة.
د. سارانيا يوتغوكويت
جراحة الأعصاب والدماغ
مستشفى بايا ثاي 1
