“حليب الأم” هو الغذاء الوحيد للرضع الذين تقل أعمارهم عن 6 أشهر. يحتوي حليب الأم على العديد من العناصر الغذائية بكميات مناسبة للرضع، ولكن في بعض الرضع الذين يحتاجون إلى حليب بقري مكمل، وكذلك في الأطفال الأكبر سناً والبالغين، يعتبر الحليب البقري غذاءً يوفر البروتين والكالسيوم والفيتامينات للمساعدة في تقوية الجسم. ومع ذلك، في بعض الحالات، قد تظهر أعراض غير طبيعية بعد تناول الحليب، ولكن ليست كل الأعراض ناتجة عن حساسية الحليب البقري، فقد تكون مجرد رد فعل غير مرغوب فيه بعد تناول الحليب فقط.
ستشرح هذه المقالة الفرق بين مرض حساسية بروتين الحليب البقري (حساسية الحليب البقري) وقصور هضم اللاكتوز، والذي ليس حساسية حليب بقري ولكنه قد يسبب أعراضًا غير طبيعية بعد تناول الحليب…
قصور هضم اللاكتوز (Lactose intolerance)
في الواقع، هذه الحالة ليست حساسية حليب، بل هي رد فعل غير مرغوب فيه بعد تناول الحليب (Adverse food reaction) فقط، وتحدث بسبب خلل في هضم سكر اللاكتوز في الحليب. اللاكتوز هو سكر موجود بكثرة في حليب الثدييات، حيث يحتوي حليب الإنسان على نسبة تصل إلى 7٪، وحليب الأبقار والماعز والأبل يحتوي على حوالي 4٪. هذا السكر له جزيئات كبيرة، وللتمكن من امتصاصه عبر بطانة الأمعاء، يجب أن يتم هضمه بواسطة إنزيم اللاكتاز (lactase) الذي يُنتج فقط من بطانة الأمعاء الدقيقة. عادةً، لدى الرضع الذين يعتمدون على الحليب كغذاء رئيسي، يكون لديهم كمية كبيرة من إنزيم اللاكتاز، ولكن مع التقدم في العمر واعتماد الطعام على الأرز أو غيره، يقل إنتاج هذا الإنزيم، لكنه يظل كافيًا للهضم، لذلك لا تظهر أعراض غير طبيعية.
في الأشخاص الذين يعانون من قصور هضم اللاكتوز، بسبب انخفاض أو عدم إنتاج خلايا بطانة الأمعاء الدقيقة لإنزيم اللاكتاز، وتسمى هذه الحالة نقص إنزيم اللاكتاز (Lactase deficiency)، يعاني هؤلاء الأشخاص بعد تناول الحليب من الأعراض التالية:
- انتفاخ وامتلاء البطن بسبب الغازات، تكرار التجشؤ، وأصوات غازات في البطن
- ألم في البطن حول السرة أو أسفل البطن
- غثيان وقيء، وغالبًا ما يُلاحظ في الأطفال الأكبر سنًا والمراهقين
- إسهال مائي مع وجود رغوة
أسباب نقص إنزيم اللاكتاز تنقسم إلى 3 مجموعات
- نقص إنزيم اللاكتاز الخلقي، وهو ناتج عن خلل جيني
- نقص إنزيم اللاكتاز الناتج عن خلل جيني يظهر في وقت متأخر (Late onset lactase deficiency, Primary lactase deficiency)، وهو شائع بين شعوب آسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا والهنود الحمر، ويظهر عادة في الأطفال الأكبر سنًا والبالغين، حيث يكون لدى الرضع كمية عالية من إنزيم اللاكتاز، لكن يقل مع التقدم في العمر، حتى مع الاستمرار في تناول الحليب والأطعمة المحتوية على الحليب، لا يستطيع الجسم هضم اللاكتوز بشكل كافٍ مما يسبب أعراضًا غير طبيعية
- نقص إنزيم اللاكتاز الثانوي (Secondary lactase deficiency)، يحدث بعد الإصابة بعدوى أو التهاب مزمن في الأمعاء الدقيقة، مثل الإصابة بفيروس الروتا الذي يصيب غالبًا الأطفال دون سن 5 سنوات، حيث يدمر فيروس الروتا خلايا بطانة الأمعاء الدقيقة مما يؤدي إلى موتها وتساقطها، وبالتالي يقل إنتاج إنزيم اللاكتاز ويحدث نقص في الإنزيم، وعندما يشفى المريض وتتعافى بطانة الأمعاء، يعود هضم اللاكتوز إلى الوضع الطبيعي
كيف يتم تشخيص قصور هضم اللاكتوز؟
- الطريقة المباشرة، بقياس إنزيم اللاكتاز في بطانة الأمعاء عن طريق إدخال قسطرة مع كبسولة تقطع جزءًا من بطانة الأمعاء لقياس كمية إنزيم اللاكتاز
- الطريقة غير المباشرة، بقياس مستوى الهيدروجين في النفس أو إجراء اختبار ذاتي بمراقبة الأعراض بعد تناول الحليب. يمكن القيام بذلك في المنزل عن طريق الصيام طوال الليل، ثم تناول كوب كبير من الحليب (300-500 مل) صباحًا، والامتناع عن الطعام لمدة 3-4 ساعات، مع مراقبة وتسجيل الأعراض. قد تظهر الأعراض بسرعة خلال ساعة من تناول الحليب أو قد تستغرق حتى 3 ساعات
علاج قصور هضم اللاكتوز
بالنسبة للعلاج في الحالات التي تعاني من نقص إنزيم اللاكتاز الخلقي أو الخلل الجيني، قد يكون من الضروري إعطاء إنزيم لاكتاز صناعي مع الامتناع عن تناول الحليب أو منتجات الحليب التي تحتوي على سكر اللاكتوز
في المرضى الذين يعانون من نقص إنزيم اللاكتاز المؤقت، يُنصح بتجنب تناول الحليب الذي يحتوي على سكر اللاكتوز، أو تناول نصف كمية الحليب المعتادة ثم زيادتها تدريجيًا. في الحالات التي تظهر فيها أعراض شديدة، يجب اختيار حليب الصويا، أو الحليب البقري الخالي من اللاكتوز، أو الزبادي الذي يحتوي على بكتيريا تساعد في هضم اللاكتوز جزئيًا
في الرضع الذين يرضعون من حليب الأم، يُنصح الأم بضخ الجزء الأمامي من الحليب الذي يحتوي على نسبة عالية من اللاكتوز أولاً، ثم إعطاء الجزء الخلفي من الحليب عندما تتحسن الأعراض، وبعدها يمكن إعطاء الحليب الصناعي بشكل تدريجي وبكميات صغيرة للسماح للأمعاء بالتكيف
التعرف على مرض حساسية بروتين الحليب البقري (Cow milk protein allergy)
يحدث مرض حساسية بروتين الحليب البقري عندما يهاجم جهاز المناعة في الجسم بروتينات الحليب البقري، عبر آليات تحسسية متعددة، وتظهر الأعراض في عدة أجهزة وبدرجات متفاوتة من الشدة حسب آلية الحساسية وشدتها في كل حالة. تظهر أعراض الحساسية بعد تناول الحليب البقري خلال 1-3 ساعات، وقد تستمر لأيام أو أسابيع. في الرضع الذين يرضعون من حليب الأم فقط، يمكن أن تحدث حساسية بروتين الحليب البقري عبر حليب الأم بسبب عدم اكتمال جهاز المناعة والجهاز الهضمي لديهم.
الأعراض والعلامات لمرض حساسية بروتين الحليب البقري حسب الجهاز كما يلي
- الجلد: طفح الشرى، تورم الأنسجة تحت الجلد بشكل حاد، التهاب الجلد التأتبي
- الجهاز التنفسي: سيلان الأنف، سعال جاف، احتقان الأنف، الشخير أثناء النوم، صفير في التنفس، الربو، متلازمة هاينر (Heiner syndrome)
- الجهاز الهضمي: تورم الشفاه، قيء، إسهال حاد، إسهال مزمن مع مخاط ودم
- حساسية شديدة مفاجئة في الجسم كله (التأق)
تشخيص مرض حساسية بروتين الحليب البقري
- أخذ التاريخ المرضي والفحص البدني هما الجزء الأهم في تشخيص مرض حساسية بروتين الحليب البقري
- اختبار استجابة المريض بعد الامتناع عن تناول الحليب البقري ثم تناوله مرة أخرى (oral food challenge)، في الرضع الذين يرضعون من حليب الأم، يجب على الأم الامتناع عن الحليب البقري، أو في المرضى الذين يمتنعون عن الحليب البقري، إذا تحسنت الأعراض بعد الامتناع، يتم اختبار تناول الحليب مرة أخرى بعد 4-8 أسابيع
- اختبار الحساسية الجلدية (skin prick test) أو فحص الدم لوجود أجسام مضادة محددة لبروتين الحليب البقري (cow’s milk protein-specific IgE)، لا يتم إجراء هذا الاختبار لجميع المرضى المشتبه بإصابتهم، لأن النتائج تكون إيجابية فقط في بعض الحالات حسب آلية الحساسية
كيف يتم علاج مرض حساسية بروتين الحليب البقري؟
يشمل العلاج معالجة الأعراض المختلفة مع العلاج الغذائي الذي يجب أن يتم تحت إشراف طبيب
- تقديم طعام خالٍ من الحليب البقري ومنتجاته
- تقديم طعام ذو قيمة غذائية وآمن
- بعد أن يبلغ المريض سنة واحدة وتتحسن الأعراض لمدة لا تقل عن 6 أشهر، يمكن النظر في إجراء اختبار استجابة المريض بعد الامتناع عن الحليب وتناوله (oral food challenge) كل 6 أشهر
- اختيار الحليب لعلاج حساسية بروتين الحليب البقري في الرضع يعتمد على العمر، نوع الحساسية، وشدة الأعراض
- الرضع والأطفال الصغار الذين يرضعون من حليب الأم فقط
- استمرار الرضاعة الطبيعية مع امتناع الأم عن الحليب البقري ومنتجاته والأطعمة التي تحتوي على بروتين الحليب البقري
- توفير كمية كافية من الكالسيوم للأم (800 ملغ/يوم) من الطعام أو مكملات الكالسيوم
- إذا لم تتحسن الأعراض، يجب إعادة تقييم التشخيص أو احتمال وجود حساسية لأنواع أخرى من الطعام
- إذا لم تستطع الأم الامتناع عن الحليب البقري، يمكن النظر في إعطاء المريض حليبًا خاصًا لعلاج حساسية بروتين الحليب البقري
- الرضع والأطفال الذين يرضعون الحليب المختلط
- اختيار حليب خالٍ من بروتين الحليب البقري كبديل للحليب المختلط الذي يتناوله الرضع والأطفال، مع مراعاة شدة الأعراض، عمر المريض، التكلفة، توفر الحليب، والطعم
- الرضع والأطفال الصغار الذين يرضعون من حليب الأم فقط
معظم حالات حساسية الحليب البقري تتحسن تلقائيًا
عادةً ما تحدث حساسية بروتين الحليب البقري في السنة الأولى من العمر، وتتحسن الأعراض حتى تختفي مع تقدم الطفل في العمر، حيث يشفى حوالي 81-95٪ منهم عند بلوغ سن 5 سنوات. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون حساسية بروتين الحليب البقري بداية لظهور أمراض تحسسية أخرى مثل الربو والتهاب الأنف التحسسي.
المراجع
1. الكلية الملكية لطب الأطفال في تايلاند، جمعية أمراض الجهاز الهضمي والكبد للأطفال في تايلاند، نادي تغذية الأطفال في تايلاند، جمعية أمراض الحساسية والربو والمناعة في تايلاند. إرشادات الممارسة السريرية لعلاج حساسية بروتين الحليب البقري (COW Milk Protein Allergy).
2. الأستاذة الدكتورة واندي ورافات. مراجعة مقالة: قصور هضم اللاكتوز. 12 أغسطس 2012.
http://www.pthaigastro.org/Document/rf0qed550cxcpq45jtxtsn45Lactose_Intolerance.pdf
