ما هي المشاكل الصحية التي يواجهها التايلانديون اليوم
المشكلة الرئيسية هي زيادة الأمراض غير المعدية المزمنة، وهي مجموعة من الأمراض المرتبطة بتصلب الشرايين مثل أمراض القلب الإقفارية، السكتة الدماغية، ارتفاع ضغط الدم، أمراض الكلى المزمنة، السكري، وغيرها. تشير أحدث الإحصائيات في تايلاند إلى أن 32.4% من الوفيات سببها الأمراض غير المعدية المزمنة، وهي السبب الرئيسي للوفاة متجاوزة الوفيات بسبب الشيخوخة التي انخفضت إلى 23.5%. بالإضافة إلى أن الإحصائيات الحالية تشير إلى أن هذه الأمراض التي كانت نادرة في الماضي قد ازدادت بشكل كبير في الوقت الحاضر، يمكننا أيضًا التنبؤ بدقة إلى حد ما أن هذه الأمراض ستصبح المشكلة الصحية الرئيسية للأمة وتزداد بشكل مضاعف خلال العشرين سنة القادمة.
لكن التكنولوجيا الطبية التي تتحسن يومًا بعد يوم، ألن تكون قادرة على التعامل مع هذه المشاكل؟
يبدو الأمر كذلك من النظرة الأولى، لكن عند التعمق، الأمر ليس كذلك. هناك أبحاث ضخمة تخبرنا أنه إذا استمررنا في الاعتماد على نمط العلاج عالي التقنية الحالي، فكيف سيكون مستقبلنا. هذا البحث يسمى Euroaspire، حيث تابعوا 13,935 مريضًا بأمراض القلب والأوعية الدموية يتلقون العلاج في 76 مستشفى ممتاز في 22 دولة أوروبية، باستخدام عوامل الخطر كمؤشرات. هؤلاء المرضى كانوا ملتزمين، يزورون الطبيب بانتظام ويتناولون الأدوية كما هو موصوف. بعد متابعة لمدة 12 سنة، وجدوا أن الأمور تزداد سوءًا، فمثلاً نسبة السمنة ارتفعت من 25% إلى 33%، ونسبة ارتفاع ضغط الدم من 32% إلى 43%، ونسبة السكري من 17% إلى 20%. لا تنس أن هؤلاء المرضى يتناولون الأدوية ويستخدمون التكنولوجيا الطبية بشكل جيد، لكن الحالة الصحية تدهورت. هذا البحث يثبت أن نمط رعاية المرضى المزمنين الذي يركز على استخدام الأدوية كما نفعل الآن غير فعال.
فما هي الطريقة الفعالة إذًا؟
الإجابة تكمن في أبحاث تغيير السلوك الصحي. على سبيل المثال، أبحاث الوقاية من السكري لدى الأشخاص المعرضين للإصابة بالسكري، والتي تسمى اختصارًا DPPRG. أخذوا 3,234 شخصًا لديهم سكر دم أعلى من 100 ملغ/ديسيلتر، وقسموهم عشوائيًا إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى غيرت نمط حياتها بالكامل، بممارسة الرياضة حتى المستوى الموصى به، وتغيير النظام الغذائي لزيادة الخضروات والفواكه وتقليل السعرات الحرارية. المجموعة الثانية تناولت أدوية السكري، والمجموعة الثالثة لم تفعل شيئًا. بعد 5 سنوات، كانت نسبة الإصابة بالسكري في المجموعة التي غيرت نمط حياتها بالكامل هي الأقل بنسبة 4.8%، في حين كانت في المجموعة التي تناولت الأدوية 7.8%، وفي المجموعة التي لم تفعل شيئًا 11.0%. هذا البحث يوضح أن تغيير نمط الحياة بالكامل يمنع السكري بشكل أفضل تقريبًا من استخدام الأدوية.
فيما يتعلق بارتفاع ضغط الدم، جمع الأبحاث في مؤتمر دولي (JNC7) خلص إلى أن هناك عدة طرق لخفض ضغط الدم دون أدوية. مثلاً، إذا كان الشخص يعاني من السمنة وفقد 10 كجم، سينخفض ضغط الدم بمقدار 20 ملم زئبقي. إذا غير النظام الغذائي ليشمل المزيد من الخضروات والفواكه وقليل الدهون، سينخفض الضغط بمقدار 14 ملم. الإقلاع عن تناول الملح يخفض الضغط بمقدار 8 ملم. ممارسة الرياضة بانتظام تخفض الضغط بمقدار 9 ملم. تقليل استهلاك الكحول يخفض الضغط بمقدار 4 ملم. كل هذا يدل على قدرة تغيير نمط الحياة بالكامل على حل مشاكل الأمراض المزمنة.
ما معنى “تغيير نمط الحياة بالكامل” بالضبط؟
هو نمط حياتنا الحالي، سواء كان الطعام عالي السعرات، الحياة اليومية التي لا تتيح الفرصة أو حتى تتجنب ممارسة الرياضة، نقص النوم الكافي، أو السلوكيات التي تزيد من خطر الإصابة بالأمراض مثل التدخين والكحول، كلها طرق تؤدي بنا إلى الإصابة بالأمراض غير المعدية المزمنة التي ستؤثر سلبًا على جودة حياتنا في النهاية، حتى لو كنا الآن بصحة جيدة. للخروج من هذا الطريق، يجب أن نغير أنفسنا، ليس بشكل طفيف، بل تغيير جذري وكامل.
النقاط الأساسية لتغيير نمط الحياة هي
- التحول من عدم ممارسة الرياضة إلى ممارسة الرياضة بانتظام.
- التحول من تناول الأطعمة عالية السعرات إلى أطعمة منخفضة السعرات وغنية بالخضروات والفواكه.
- تنظيم الوقت للنوم والراحة الكافية وإدارة التوتر بشكل جيد.
- معرفة عوامل الخطر الصحية الخاصة بك والتركيز على أنشطة خاصة لمعالجتها، مثل تقليل الوزن لمن يعانون من السمنة، أو الإقلاع عن التدخين للمدخنين. كل هذا هو جوهر تغيير نمط الحياة بالكامل أو ما يسمى Total Lifestyle Modification (TLM).
ماذا عن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة بالفعل، هل يمكن الوقاية؟
تشير العديد من الأبحاث إلى أن تغيير نمط الحياة بالكامل يمكن أن يعكس المرض القائم، ومن هنا جاء مفهوم “الوقاية الثانوية” (Secondary Prevention)، أي أن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل أمراض القلب، السكتة الدماغية، السكري، ارتفاع ضغط الدم، أمراض الكلى، أو حتى السرطان، بالإضافة إلى العلاج الدوائي التقليدي، يجب أن يركزوا بجدية على تغيير نمط حياتهم بالكامل كجزء أساسي إلى جانب الأدوية أو التكنولوجيا الطبية الأخرى. في مستشفى Phyathai، نطبق هذا المفهوم بشكل جدي ومنهجي في رعاية المرضى المزمنين.
ماذا يعني هذا؟ إذا كان المريض يعاني من مرض قلبي متقدم، هل لا يزال عليه ممارسة الرياضة؟
يعني أننا لن نكتفي فقط بمواعيد صرف الأدوية المتكررة، بل سنتحدث عن تغيير نمط الحياة بالكامل. يجب أن يشارك المريض بنشاط في تعديل سلوكياته الصحية، مع دور الطبيب كمساعد ومرشد.
هل سيجرؤ الناس على القيام بذلك؟ المرضى بالفعل يعانون كثيرًا.
هناك عقبتان رئيسيتان أمام تغيير السلوك: الجهل، وعدم القدرة على التغيير رغم المعرفة. لمعالجة الجهل، يضيف الأطباء والممرضون أنشطة تعليمية ضمن معايير رعاية كل مرض. في مستشفى Phyathai 2، نقوم ببناء قاعة تعزيز الصحة (Health Promotion Hall) في الطابق السابع من المبنى 2، والتي ستكون بمثابة متحف لتوفير المعرفة حول تغيير نمط الحياة للصحة الجيدة، مثل عرض معلومات عن التغذية، دروس طبخ لتعليم كيفية إعداد أطعمة منخفضة السعرات ولذيذة، ودروس رياضية للمرضى من مختلف الأعمار والأمراض مع إرشادات ومهارات مختلفة. كل هذا يساعد على الانتقال من الجهل إلى المعرفة، ومن عدم القدرة إلى القدرة.
وماذا عن الأشخاص الذين يعرفون ما يجب فعله لكن لا يستطيعون؟
عندما يكون هناك نية، يحتاج الشخص إلى الانضباط الذاتي، والانضباط الجماعي، وأصدقاء جيدين. في مستشفى Phyathai 2، نحاول إنشاء مجموعات للمرضى من مختلف الأمراض لتغيير سلوكياتهم معًا، مثل مجموعة تمارين العضلات لمرضى السكري. العمل الجماعي يساعد على تحفيز الانضباط. كما نحاول أن نكون أصدقاء جيدين للمرضى. بالنسبة للمرضى المزمنين، نعمل على تحسين معايير الرعاية الخاصة بكل مرض لتشمل متابعة ودعم لتغيير السلوك إلى جانب العلاج الدوائي. أما لمن لم يمرضوا بعد، لدينا برنامج رعاية صحية مع طبيب خاص يسمى PMP (Personalized Medical Program)، وهو برنامج فحص صحي سنوي يشمل تقييم عوامل الخطر الصحية الشخصية ووضع خطة صحية سنوية، مع وجود طبيب خاص كصديق جيد يوجه ويحفز ويتابع نجاح تغيير نمط الحياة.
هل وجود طبيب كصديق جيد فعّال؟
بحسب الإحصائيات منذ بدء برنامج PMP، فهو فعّال جدًا. معدلات تغيير السلوك الصحي أعلى مقارنة بعدم وجود طبيب خاص. على سبيل المثال، في برنامج الإقلاع عن التدخين، من بين 8 مدخنين، 6 أقلعوا لأكثر من سنة، وهو معدل جيد جدًا. معدلات التوقف عن استخدام أدوية الأمراض المزمنة مثل أدوية خفض الضغط والدهون مرضية أيضًا، حيث أقلع عشرات الأشخاص. وجود طبيب كصديق جيد هو أمر ناجح بالتأكيد. مستشفى Phyathai تعلم من هذا أن تحفيز تغيير السلوك الصحي لا يعتمد فقط على العلاقة بين الطبيب والمريض، بل يجب أن تكون علاقة إنسانية بين شخص وآخر. بمعنى أنه كلما تعرف الطبيب والممرض على المريض وأصبحا أصدقاء أكثر، زادت فرص نجاح تحفيز المريض على تغيير سلوكياته الصحية.
كلما تعرف الطبيب وأصبح صديقًا للمريض أكثر، زادت فرص نجاح تحفيز المريض على تغيير سلوكياته الصحية
النقطة الأساسية هي أن الصداقة الجيدة بين الطبيب والمريض ليست مقتصرة فقط على برنامج PMP. المرضى المزمنون عادة ما يكونون على معرفة طويلة الأمد بأطبائهم. الصداقة الجيدة موجودة بطبيعتها. تطبيق مستشفى Phyathai لمفهوم الوقاية الثانوية بهذا الشكل هو مجرد تذكير بالمحتوى التوعوي الذي يجب أن ينقله الأطباء والممرضون إلى المرضى المزمنين، مستفيدين من الصداقة الجيدة القائمة مسبقًا كدعم أساسي.
